علي بن مهدي الطبري المامطيري

265

نزهة الأبصار ومحاسن الآثار

أنّ محمّد بن أبي بكر كتب إلى أمير المؤمنين يسأله أن يكتب له جوامع من الحلال

--> - وسار عليّ إلى الجمل وقيس بمصر ، وصار من البصرة إلى الكوفة وهو بمكانه ، فكان أثقل خلق اللّه على معاوية ، فكتب إليه قبل خروجه إلى صفّين : « إنّكم نقمتم على عثمان إثرة رأيتموها وأشياء سوى ذلك أنكرتموها ، وأنتم تعلمون أنّ دمه لم يكن لكم حلالا ، فركبتم عظيما وجئتم أمرا إدّا ، فأمّا صاحبك فقد استيقنّا أنّه الذي ألّب الناس عليه ، وأغراهم به ، وحملهم على قتله ، فهو ينتفي من ذلك مرّة ، ويقرّ به أخرى » . ودعاه إلى الطلب بدم عثمان ، فكتب إليه قيس : « قد فهمت كتابك ، وأمّا قتل عثمان فإنّي لم أقاربه ولم أتّصف به ، وأمّا صاحبي فلم أطّلع منه على ما ذكرت ، وأمّا ما دعوتني إليه فإنّ لي فيه نظرا وفكرة ، وأنا كافّ [ عنك ] ولن يأتيك عنّي شيء تكرهه » . ثمّ كتب إليه معاوية كتابا آخر ، فأجابه قيس عنه ، ولم يقاربه فيما أراد من الالتواء على عليّ ، والطلب بدم عثمان ، فكتب إليه معاوية : « يا يهودي ابن اليهودي ! » . فأجابه قيس : « يا وثن ابن الوثن ، دخلتم في الإسلام كارهين ، وخرجتم منه طائعين » . فلمّا يئس [ معاوية ] منه كتم ما كتب به إليه ، وأظهر أنّ قيسا قد أجابه إلى المبايعة ، ومتابعته على ما أراد ، والدخول معه في أمره ، فكتب على لسانه : للأمير معاوية ، من قيس بن سعد ، أمّا بعد فإنّ قتل عثمان كان حدثا في الإسلام عظيما ، وقد نظرت لنفسي وديني فلم أره يسعني مظاهرة قوم قتلوا إمامهم مسلما محرما برّا تقيّا ، فنستغفر اللّه لذنوبنا ، ونسأله العصمة لديننا ، وقد ألقيت إليك بالسلم ، وأجبتك إلى قتال قتلة إمام الهدى المظلوم . فشاع في الناس أنّ قيسا قد صالح معاوية وسالمه ، وسار به الركبان إلى العراق ، وبلغ ذلك عليّا ، فاستشار عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب في أمره ، فأشار عليه بعزله ، فإنّه ليروّي في ذلك ، ويصدّق بما بلغه مرّة ويكذّب أخرى ، حتّى ورد عليه كتاب من قيس بخبر الكناني وأهل القرية التي هو فيها ، وبخبر ابن مخلّد ، وما رأى من متاركتهم والكفّ عنهم ، فقال له ابن جعفر : مره يا أمير المؤمنين بقتالهم ؛ لتعرف حاله في مواطأة القوم على ما تركوا من بيعتك ، ويصحّ لك حقّ ما بلغك أو غير ذلك ، ففعل وكتب إليه بذلك ، فأجابه قيس : إنّي قد عجبت من سرعتك إلى محاربة من أمرتني بمحاربته من عدوّك ، ومتى فعلت ذلك لم آمن أن يتساعد أعداؤك ويترافدوا ، ويجتمعوا من كلّ مكان ، فيغلظ الأمر ، وتشتدّ الشوكة . فقال له ابن جعفر : ألم يصحّ لك الآن الأمر ؟ فولّ محمّد بن أبي بكر مصر يكفك أمرها ، واعزل قيسا ؛ فإنّه بلغني أنّه يقول : إنّ سلطانا لا يقوم إلّا بقتل مسلمة بن مخلّد لسلطان سوء - وكان ابن جعفر أخا محمّد بن أبي بكر لأمّه أسماء بنت عميس ، تزوّجها جعفر ، ثمّ خلف عليها أبو بكر - فعزل [ عليّ ] قيسا ، وولّى محمّدا ، فلمّا ورد محمّد مصر ، غضب قيس ، وقال : واللّه لا أقيم معك طرفة عين ، وانصرف إلى المدينة ، وقد كان مرّ في طريقه برجل من بني القين ، فقراه وأحسن ضيافته ، وأمر له بأربعة آلاف درهم ، فأبى